تصحيح

تصحيح 1
كثيرٌ من مشكلات الإنسان ومعاناته وضغوطاته الحياتية، إن دقّقنا النظر، سنجدها ليست من الخارج، ولا أنَّ الواقع الحياتي هو من يفرضها عليه، حتى وإن ادّعى الإنسان ذلك، وهو معذور في مدّعاه؛ لأنّه لا يُبصر. في الحقيقة، إنّ كَمًّا كبيراً من معاناة الإنسان تعود للضيق العقلي الذي يعيش فيه، وما ينتج عنه من الخطأ في التشخيص، وعدم رؤية الأمور على حقيقتها، وغير ذلك.
فإنّ مدارك العقل إن كانت ضيّقة وبسيطة فسوف تستقبل الحدث الخارجي بما لا يتناسب مع مستواه من جهة الفهم، أي فهم الحدث، وبالتالي التعامل؛ عندئذٍ تُخلق المشكلات.
حينما ينظر العقل الضيّق إلى الحدث فسوف ينظر إلى الزاوية المناسبة لمستوى إدراكه، والتي غالبًا ما تكون خاطئة، وبالتالي ستكون ردّة فعله تجاه ذلك الحدث خاطئة، وهنا تُثار الإشكالات.
يُروى أنّ السيّد المسيح (عليه السلام) مرّ هو وأصحابه على جيفة كلب، فقال بعض أصحابه: ما أنتنَ رائحةَ هذا الكلب! فقال المسيح: ما أشدَّ بياضَ أسنانه! فكلٌّ نظر من زاوية تناسب مستواه العقلي.
كلّما ضاقت مدارك العقل تضاعفت قدرة الإنسان على الوقوع في الخطأ، وأصبح صاحبه يُجيد التبرير أكثر ممّا يُجيد الفهم، ويُمسي أداة قادرة على خلق المشكلات من لا شيء، كما يحدث في المجتمعات المتأخرة فكريًّا.
الكثير من المأساة التي تحصل في المجتمع أو الأسرة تعود إلى تكبير الصغيرة أو تصغير الكبيرة، ورفع مرتبة الأمر البسيط إلى أعلى درجات الأهمية، أو إنزال الأمر المهم إلى أدنى درجات السذاجة والإهمال؛ وبالتالي سيترتب على ذلك آثار كارثية، كما يحصل في المجتمعات القبلية حينما يُقتل أربعون فردًا لأجل دابّة! فهذه المشكلة في واقعها الخارجي صغيرة جدًّا، إنما كبرت وعظمت حينما استقبلها عقل ضيّق، لم يبلغ مرتبة تسمح له برؤية الأمور على حقيقتها وبحجمها الصحيح.
من الجهة المقابلة، فإنْ توَسَّع العقل فسيقضي على أغلب المشكلات التي يواجهها الإنسان، وتختفي الكثير من معاناته، وتضمحل الكثير من الصراعات والنزاعات الوهمية، ويُعيد الإنسان ترتيب سلّم الأهمية في حياته.
وكلّما توَسَّع العقل وارتقى في سلّم درجاته صغُرت في عينه الكثير من الأمور التي كان يراها عظيمة، ومن هنا تتلاشى خصومات دون معالجة، وتزول معاناة دون مداخلة، والأهم من ذلك ما يسود النفس من سكون وهدوء بزوال ذلك الاضطراب الداخلي المتولّد من أخطاء النظر والاستنتاج الناقص، والاستقبال الأعمى لكل حادث، الملازِم لضيق العقل.
 
 
منتظر الخفاجي
النجف الأشرف

اترك تعليقاً