شذرات من الصحيفة السجادية (الشذرة السادسة)
ورَدَ عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين -عليه السلام- في دُعائهِ لوداع شهر رمَضان، قَوْلُهُ: (تُرِيدُ رِبْحَهُمْ فِي مَتَاجَرَتِهِمْ لَكَ).
يُبين الإمام السجاد في هذا القول نوعاً من أنواع التعامل الإلهي مع عباده، وهو أسلوب تعامل غير معهود لدى البشرية. حيثُ نَفهم من خلال ما طرحه الإمام أن باب المُتاجرة الذي فتحه الحَقُّ مع عباده غايته اسْتِرْبَاحُ البشرية من الله تعالى وليس للطرف الآخر أدنى فائدة من هذه التجارة!.
وهذه الطريقة غير مقبولة في عالم التجارة، ومُخالِفة لطبيعة التجارة المعمول بها في المجتمع البشري، حيث إن هذا الأسلوب في التعامل مُخالِف لقواعد العقل الكَسْبِيِّ أو المَعَاشِيِّ، فالعقل الكسبي يحكم أن من يقدم لك بضاعة أو خدمة يجب أن يحصل بالمقابل على ثمن، أما أن تبيع بضاعتك لمن يطلبها دون مقابل ودون ثمن فهذه تجارة خاسرة بل ليست بتجارة.
وهنا لنا أن نسأل: ما الذي يدفع التاجر بأن يقدم بضاعته دون ثمن؟
وبصورة أوضح: لماذا فتح الله تعالى باب اسْتِغْلَالِهِ من قبل عباده ودعاهم إليه بإلحاح؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ. لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ .
ومن خلال هذا التصريح الإلهي القرآني، فإن ما طلبه الله تعالى من عِبادِه من تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة والإنفاق، كلها ليس فيها لله تعالى فائدة، وكلها تعود إلى المؤمن المُتَاجِرِ، ثم إنه جلَّ جلاله ضَمِن لِمن أدى هذه الأعمال بأنه سيوَفيه أجره، وليس فقط الأجر وإنما هناك زيادة (وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِه) أي أنه سيزيدهم فوق أجورهم على قدر فضله وليس قَدْرِهِمْ!!.
حقيقةً إن صورة التعامل التجاري الإلهي مع عِبادِه كمن يقول لأحدهم اعمل واكسب الأموال لنفسك وسوف أعطيك أَجْراً على عملك!!
الذي فهمناه من خلال النصوص الإلهية أن الدافع الذاتي لله تعالى في التعامل مع عباده بهذا النوع من التعامل يعود إلى المحبة والغنى، فهو جلَّ جلاله مُحب لعباده أكثر من محبته لمُلكِه وخزائِنه، ثم إنه غنيٌّ بذاته عن كل عِبادِه وأعمالهم، لذلك كما وقلنا سابقاً إن قضية الله تعالى على كوكب الأرض أو في عالم الدنيا هي (عِباده) والإنسانُ على رأسهم.
المسألة الأخرى والتي ينبغي أَنْ لَا نغفل عنها هي: تعلق الإرادة الإلهية بربح من يُتاجر مع الله تعالى، أياً كان المُتاجر، فلا مجال للخسارة إطلاقاً، ويتبع ذلك ما يتّخِذه الحَقُّ من الطُرق والأساليب والمُخططات التي يضمن معها ربح مُتَاجِرِيهِ في هذه التجارة. إذن هي ليست دعوة بسيطة إلى هذه التجارة وإنما (نظامٌ كامِلٌ).
طُرُق المُتاجَرة
إن الله عزَّ وجَلَّ فتَح لنا عدة طرق للمُتاجرة معه، وكل طريق من هذه الطُرق يُناسب مرتبة إيمانية من مراتب المؤمنين بالله عزَّ وجلَّ. ومن أهمها:
الطريق الأول: والذي أَمْضَاهُ الحَقُّ جلَّ جلاله في تعاملات عباده معه، وبيّنه لهم، وهو طريق شراء الآخرة بالدنيا. وَمُحْصَلهُ أن يلتزم العبد بالحدود الإلهية من تجنب المحرمات وإيتاء ما أَوْجَبَهُ الحَقُّ عليه من الواجبات، وأن يَحُدَّ دُنياه بحدود الشرع الإلهي، فإن هو فَعل ذلك فقد وجَب له نعيم الآخرة، وعلى حسب التزامه بما أُوجِبَ عليه يكون مقدار رِبحه، فيتفاوت رِبح المُتاجرين على حسب مقدار وجودة ما يُقدِمون.
الطريق الثاني: أن لا يقتصر المؤمن على الواجبات والمحرمات بل يُزيد من تجارته ويوسعها فتشمل المستحبات والمكروهات؛ بل وَكُلَّ عَملٍ يَجدهُ صالحاً للتقرب مِن الله تعالى، يُبادر إلى أدائه، فإن ذلك يرفع من رصيد العبد أخروياً إن كان يريد الآخرة ودنيوياً إن كان يريد الدنيا.
الطريق الثالث: والذي لا يُنظَرُ فيه إلى الزيادة أو النقصان وإنما النظرُ فيه إلى جودة العمل ونقائِه وعلو مرتبة صدوره، فإن الصَدَقة قد يُثَابُ عليها المُتصدِق بمئة حَسنة، لكن إن أخلص الفرد نيّة التصدق وطهّرها من الشوائب ولم يَنظُر فيها إلا وجه الله تعالى، حينئذ سَيَتَغَيَّرُ جَزَاؤُهُ من الحسنات إلى الدرجات، وهنا يخرج الفرد المؤمن بفعله الطاهر من مرتبة إلى مرتبة إيمانية أعلى رغم بقاء العمل نفسه دون تغييرٍ في ظاهره، فالصَدقة هي الصَدقة لكن جوهرها قد تغيّر.
الطريق الرابع: وهو طريق العهد، وذلك بأن يَتَعَاهَدَ المؤمن مع ربه على أن يعمل العمل التطوعي مما يرضي الله ويخدم عِباده، كأن يُنشئ شيئاً لله تعالى في الأرض، ويُعاهد الله على فعل ذلك، ويرجو من الله شيئاً مقابل ذلك، فبالمقابل سيجزيه الله على قدر ذلك العمل التطوعي الذي يحقق بعض الإرادة الإلهية. وهذا الطريق موجودٌ وَمُقَرٌّ من قِبَلِ الله عزَّ وجلَّ.
الغاية الإلهية من فتح باب المُتاجَرة
إن باب المُتاجرة مع الله تعالى قد يشمل كل جوانب حياة الإنسان، فيمكن للفرد المؤمن أن يُدخِل كل مفردات حياته في باب التجارة مع الله تعالى، وهذا ما جعل باب المُتاجرة مع الحَقِّ أوسع من كثير من أبواب الارتباط والتقرب لله عزَّ وجلَّ. لهذا كانت هناك غايات إلهية مُترتِبة على هذا الباب، منها:
أولاً: بيان محبة الله تعالى لعباده، فمن خلال المُتاجرة مع الله تعالى يَقِفُ الفرد على مقدار محبة الله تعالى له أو بعض مراتبها.
ثانياً: من المعلوم أن الله عزَّ وجلَّ يريد تقريب الإنسان إليه، ويرغب في تقرُب الإنسان إليه، فمن خلال ما يُعطيه الحَقُّ تعالى لعبده المُتَاجِرِ في الدنيا ودون مقابل، فإن ذلك يدفع العبد إلى التقرب لله تعالى من خلال شتى طُرُق التقرب.
ثالثاً: توسيع استعداد الإنسان وتنمية قابليته لاستقبال الفيض الإلهي أو العطاء بشتى مراتبه. فالإنسان محدود الاستعداد وكلما فُتِحَ بابٌ للتعامل مع الحَقِّ تعالى توَسع استعداده، ومن جهة أخرى فإن العطاء الإلهي مُقيّد بحجم المساحة المتوفرة لدى الإنسان وهو استعداده لاستيعاب العطاء، فكلما توسعّت تجارة الفرد مع الله تعالى توسَع استعداده، وعلى قدر الإناء يكون العطاء، وَتَوْسِيعُ الاسْتِعْدَادِ هو دَاعِيَةٌ لنزول العطاء الإلهي ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ بلسان الاستعداد لا لسان المَقال.
رابعاً: من الغايات الإلهية لفتح باب المُتاجرة مع الحَقِّ جلَّ جلاله، هو زرع هذا الأسلوب التعاملي أو الخُلق الإلهي في العباد. أي فَتحُ بابٍ آخر للتعامل مع الله تعالى، وهذا ما سنتحدث عنه لاحقاً.
إن من واجبات قيادات الأمة الحَقّة هي كشف الطُرُق الأنسب والأقصر لبلوغ تلك الأمة غاياتها، وذلك عن طريق ما يجده القائد من سُبل وأعمال وأفكار أثناء مسيره في طريق الحَقِّ، أو قل أثناء مسيره للحقِّ جلَّ جلاله، وبما أن القائد سابقٌ في طريق الكمال ومتقدمٌ مراتباً في عالم الإيمان فسوف يكشف الطرق المناسبة والصحيحة لمسير الأمة في شتى الحقول، والتي تُحَتِّم عليه مسؤوليته أن يأخذ بيَدِ الأمة نحوها.
وهذا ما دفع الرُسل وخلفائهم لإيجاد الطرق والوسائل لتحقيق خدمة أممهم على كافة الأصعدة المُطالَبِينَ بها مِن قِبل الحَقّ تعالى.
وعلى هذا فإن فَتْح الإمام زين العابدين -عليه السلام- لهذا الباب التعاملي وبيان جانب من صورة الحقِّ التي ينبغي أن تكون عليها من جهة العقيدة، انطوى على أمور مهمة ومن أهمها:
أولاً: الكشف عن أسلوب في المُتاجرة غير قابل لِلْخُسْرَانِ على الإطلاق. والذي يَعُم التجارة الدنيوية والأخروية والمعنوية على حدٍ سواء.
ثانياً: كَشْفُ مَدْخَلٍ لمعرفة الوجه التعاملي الإلهي، وإن كان ما كشفه الإمام لا يعدو عن كونه لمحة لكنه مَدْخَلِيَّةٌ لطريق مستقيم يوصل لما هو أعظم.
ثالثاً: بيان خُلق إلهي رفيع يمكن للبشرية الارتقاء إلى مرتبتِه والتخلُّق به في تعاملاتهم مع الخَلق ومع الحَقِّ. وهذه هي الغاية الكبرى من بيان الإمام -عليه السلام-، وعلى ذلك فإن تطبيق هذا الأسلوب التعاملي يكون على مرتبتين:
المرتبة الأولى: التعامل مع الحَقِّ جلَّ جلاله بهذا الخُلق.
ويكون من عدة زوايا:
الزاوية الأولى: اعتماد المُتاجرة مع الله تعالى بكل مراتبها، أعني أن يُفَعِّلَ أسلوب التجارة بأي مرتبة من مراتبها وأي طريقة من طرقها، فما يمكنه الارتقاء إليه من المراتب الأعلى يوجب عليه أن يتعامل وِفقَه حتى يوصِلُه هذا الترتيب إلى مستوى التخلُّق بهذا الخُلق الإلهي التعاملي.
الزاوية الثانية: الترقّي عن مستوى التجارة المنفعية المعمول بها في عالم البشر، لأجل بلوغ أعلى درجات التجارة المُعتمَدة في النظام الإلهي الخاص. وبهذا يخرج الفرد المُتَاجِرُ من دائرة ونظام أصحاب الرجاء إلى زمرة أهل العطاء، ويتبدل لديه المحرك الذاتي، وهنا يكتسب صاحب هذه المنزلة أول مراتب الخُلق الإلهي في باب التجارة.
الزاوية الثالثة: بما أن الفرد المُتَاجِر خرج من نظام المُتاجرة لأجل المكاسب الخاصة والمنافع الشخصية، حينئذ سيكون البديل والمحرك في هذه المرتبة هو تحقيق الغرض الإلهي من وجوده (الفرد المؤمن)، فيكون المنظور هنا هو تحقيق الربح الغَيْرِيِّ وليس النفسي، أي تحقيق ما يريده الله تعالى لا ما تريده أنت، فتكون حينذاك قد أديت ربح الله تعالى في متاجرتك معه، حينها ستكون تخلَّقت بهذا الخُلق الإلهي التعاملي. وبعد تحقيق هذه المنزلة التعاملية، يتحول نظر الفرد في كل تعاملاته إلى تحقيق مصالح النظام الإلهي بأي جانب من جوانبه، فتَعُمُّ تجارته مع الحَقِّ كُل شؤونه، وتتوحد الغايات بغاية واحدة وهي تحقيق مصالح النظام في كل ما يواجهه. حينها ستكون كل مُعاملاته لأجل تحقيق مصلحة النظام الإلهي فلا تبقى في ذاته إرادة لمصالحه الخاصة، ومن هنا سوف تنصهر إرادته بالإرادة الإلهية.
المرتبة الثانية: التعامل مع الخَلق.
إنَّ تحقيق التعامل بهذا الخُلق مع العِباد وتطبيقه على مستوى النفوس يكون من عِدَّة سُبل نذكر منها أربعاً:
السبيل الأول: الإيثار. ولأجل تطبيق الأسلوب التعاملي الذي كشَفهُ الإمام زين العابدين -عليه السلام- على صعيد الخَلق، فإن ذلك يتطلب مستوىً عالياً من الإيثار، بحيث يُؤثِرُ الإنسان الخَلْقَ على نفسه، ويقدّم مصلحتهم على مصلحته إيثاراً منه وحُباً لهذا الخُلق، أو انصياعاً لدوافع سجية الإيثار لديه وإن كان هذا الأمر نادراً إلى حدٍ كبير، فمن الصعب وجود إنسان بلغ هذا المستوى من الإيثار.
السبيل الثاني: وهو سبيلٌ أخلاقيٌ أيضاً. والذي يَعتمِد على وجود الغِنى لدى الفرد المُتاجر، فالمُتاجرة مع الخَلق لأجل تحقيق مصالحهم دون النظر لمصلحته؛ يقتضي وجود غِنى داخلي وبدرجة عالية، بحيث لا يجِد في نفسه حاجة إلى الخَلق.
السبيل الثالث: إرادة التخلُّق بأخلاق الله تعالى، أو إرادة التقرُّب لله عن طريق التخلُّق بأخلاقه، وهو من أعلى وأعمق سبل التقرب لله تعالى وأكثرها فاعلية، فيمكن أن يُتَاجِرَ العبد مع الخَلق بهذا النوع من المُتاجرة ويُحقِق ربح العباد في متاجرته تأسياً بالله تعالى واقتداءً به وتأدباً بأدبه.
السبيل الرابع: وهو وجهٌ باطنيٌ صِرف، يستوجب للوقوفِ عليه مستوى عالٍ من المعرفة بنظام الخَلق التكميلي، وهذا الوقوف وقوفُ مُشاهدةٍ لا إدراكاً عقلياً. وجوهرهُ أن يُشاهد وحدة الكمال، وذلك برؤية كماله وكمال كل الخَلق واحداً، فما يُفَاضُ عليه من كمال يَصُبُّ في تكميل الكُل، وما يَصِلُ إلى الكل يَصُبُّ في كماله، فلا يرى استقلالية أو تعددية في الخَلق على الرغم من اختلاف الصور أو اختلاف الرُتَبِ الكمالية لأجزاء الوجود. فإن هو بلَغ هذه الرُتبة من عِرفان الخَلقِ، فستكون تجارته مع الخَلق لأجلِ فائدة الخَلق والسعي في تكميلهم.
فهذه أهم السُبلِ للتعامل مع الخَلقِ بهذا الخُلقِ الإلهي الرفيع.
منتظر الخفاجي
النجف الأشرف
26 صفر 1448
10 آب 2026

